التظاهر السلمي

السؤال: 

شيخنا الجليل د.عبد الحي السلام عليكم ورحمه الله، إستمعت لخطبة الجمعة 29/6/2012 على الإنترنت وقد ذكرت فيها (أن للمواطنين الحق في الخروج للتعبير عن سخطهم و شظف عيشهم)، وهذا في علمي القاصر يتنافى مع ما أفتى به كثير من علماء الأمة بعدم جواز الخروج على الحاكم وذكروا في ذلك أحاديث كثيرة، فسؤالي يا شيخنا هل في قولك فتوى بجواز خروج المواطنين في ما يشبه المظاهرات السلمية ( لو قلنا بوجود ذلك) وكيف نوفق بين ذلك وبين صريح الأحاديث وأقوال كبار العلماء في النهي عن ذلك، وكيف نوفق بين الخروج السلمي وما يقابله من رد أجهزة الشرطة والأمن، أرجو التوضيح يا شيخنا فقد اختلط الأمر علي، جزاك الله خيراً وهدانا وإياك للحق.

الجواب: 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.
فالخروج على ولي الأمر – وإن كان ظالماً – قد ثبتت الأحاديث بالنهي عنه، والخوارج هم كلاب النار كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لكن يا أخي – أحسن الله إليك – يلزم أن نعرف ما هو الخروج؟ هل الخروج في مظاهرة سلمية للتعبير عن ظلامة أو لفت انتباه الحاكم لما غفل عنه خروج؟ وهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المنبر خروج؟ وهل الحديث عن أمر يخص العامة وتناوله الصحفي والمذيع والرجل والمرأة والبر والفاجر خروج؟ لعل القائلين بذلك يرجعون إلى تعريف الخروج في كتب السياسة الشرعية حتى يحسنوا التفريق بين ما يعد خروجاً وما لا يعد.
وأما التظاهرات السلمية فقد كتب فيها بعض المعاصرين في بحوث رصينة وأبانوا مسلك الجواز من حيث:
أولاً: أن النصيحة للحكام واجبة على الأمة، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي لا ينفك المسلمون من عهدته إلا بقيام من يكفي به، وأن الحسبة السياسية حق للأمة باعتبارها صاحبة السلطان وواجب عليها باعتبارها مسئولة أمام الله تعالى عن محاسبة الحكام ومراقبتهم وتقويمهم إذا اعوجوا
ثانياً: أن المظاهرات وسيلة من الوسائل وأداة من الأدوات التي إن خلت من المخالفات الشرعية ولم تصدم أصلاً من أصول الدين ولا حكماً من أحكامه فليس هناك مسوغ لحرمان الأمة من استخدامها في ممارسة حقها والقيام بواجبها
فالمظاهرات يا أخي ليست من الشعائر التعبدية حتى نتوقف في العمل بها حتى يأتي ما يدل على مشروعيتها، وإنما هي من العادات، والأصل في العادات الالتفات إلى ما فيها من معاني؛ فإ، كانت موافقة للشريعة بمعنى أنه ليس فيها ما يخالفها ولا يضادها، وكان فيها مصلحة راجحة فلا مسوغ للقول بتحريمها، وإن كانت مضادة أو مخالفة للشريعة أو كانت مفسدتها أرجح من مصلحتها فلا تردد في القول بتحريمها
وأما قولك – وفقك الله – كيف نوفق بين صريح الأحاديث الناهية!! فأقول لك: أين النهي في الأحاديث عن المظاهرات تخصيصاً؟ وكذلك قولك عن فتوى العلماء القائلين بتحريمها أقول لك: إن أولئك العلماء – حفظهم الله – قالوا بتلك الفتاوى في ظروف معينة، ومعلوم أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان، وقد أفتى كاتب هذه السطور قبل أعوام خلت بحرمة الخروج في مظاهرة دعت إليها الحركة الشعبية ومن كان في حلف معها من الأحزاب العلمانية والشيوعية؛ وذلك لظهور مفسدتها وغلبة شرها، وقد يكون بعض هؤلاء العلماء متأثراً في فتواه بما غلب على المظاهرات في وقت ما من الفوضى والشغب، يتضح ذلك من قول بعضهم في فتواه (بأن أغلب الخارجين فيها همج رعاع) والسؤال: هل ينطبق ذلك على ما كان في مصر مثلاً أو تونس حيث خرج في تلك المظاهرات العلماء والفضلاء والنبلاء ولم يكن منهم تخريب ولا تدمير للمنشآت ولا اعتداء على الدماء ولا الأعراض؟ بل إن الذي حدث منهم ذلك – أعني نشر الفوضى والرعب - هم جلاوذة النظام ممن استمرئوا ظلم العبادو الإفساد في الأرض.
خلاصة القول يا أخي أن مثل هذا الأمر لا يمكن التحاكم فيه إلى فتوى خاصة صدرت في بلد معين لظرف ما، وليس من الإنصاف كذلك أن تجعل قول بعض أهل العلم حجة بذاته، بل الحجة فيما قاله الله وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه العلماء المعتبرون، والعلم عند الله تعالى.